حيدر حب الله
55
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
الفكرة هو أنّ الحقيقة الوجودية الواحدة ، وهي الحقّ تبارك وتعالى ، عندما تظهر يبدأ ظهورها قويّاً ثم يحصل التنزّل ، بلوغاً إلى عالم المادّة الذي هو عندهم عالم الفرق والتلاشي ، وبعمليّة التجلّي هذه يكون العالم وفق تسميتنا ويوجد ، وتأخذ الأمور حدودها الوجوديّة . وقوس الصعود عودٌ لنقطة الانطلاق . دعني أشبّه ذلك بمثال ( اليويو ) ، عندما أقوم برمي الكرة الصغيرة المربوطة بهذا الحبل في يدي ، فهي تنطلق بقوّة لتصل إلى أبعد نقطة عن مركز الانطلاق - وأبعد نقطة هي المرحلة التي تكون فيها الكرة في أضعف قوّة دفعيّة وحركيّة - ثم تقفل راجعةً ، ( وإليه ترجعون ) ( وإليه المصير ) . هذا التشبيه يمكن قياسه على فكرة علاقة الله بالعالم من وجهة نظر هذا الفريق من الفلاسفة . ولكي أوضح الفكرة أكثر يمكن أن نأخذ رؤية بعض أنصار المذهب الذرّي ، فهم يرون العالم بغير الطريقة التي نراها نحن ، كأنّما يملكون جهازاً يُرى فيه العالم عبارة عن ذرّات لا متناهية تسبح بطريقة رهيبة ، وليس العالم عندهم عبارة عن كرة أرضية أو نجوم أو قمر ، إنّه بشكل آخر أدقّ من ذلك ، إنّه مادّة وذرات مع حركة لا متناهية تملأ الكون ضجيجاً لا تسمعه آذاننا ، وكلّما تموضعت الذرات بطريقة خاصّة وحصلت حركة معيّنة تراءى لنا خلقٌ جديد اسمه الحيوان ، أو النبات أو الجماد أو زيد أو عمرو ، فليس هناك عندهم صور نوعية أو ماهيات للأشياء ، بل ما يسمّى ماهيات ليس عندهم سوى عناوين وأسماء اخترعها العقل والذهن البشري لتصنيف الأشياء من حوله ، والفوارق بين الأشياء التي من حولنا فوارق عرضيّة عندهم - وليست ذاتية - تتبع تموضع المادّة والحركة . هذا الوجه الآخر للعالم ( وهو أشبه بعالِم الكمبيوتر في رؤيته لما في داخل